ابن حجر العسقلاني

179

فتح الباري

الزبير إلى الحبشة وكذا لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حال هجرته إلى المدينة وانما أورد هذا الكلام على سبيل التوجيه للسؤال لان لازم الملازمة السماع ولازمه إعادة التحديث لكن منعه من ذلك ما خشيه من معنى الحديث الذي ذكره ولهذا أتى بقوله لكن وقد أخرجه الزبير ابن بكار في كتاب النسب من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال عناني ذلك يعنى قلة رواية الزبير فسألته أي عن ذلك فقال يا بنى كان بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمت وعمته أمي وزوجته خديجة عمتي وأمه آمنة بنت وهب وجدتي هالة بنت وهيب ابني عبد مناف بن زهرة وعندي أمك وأختها عائشة عنده ولكني سمعته يقول ( قوله من كذب على ) كذا رواه البخاري ليس فيه متعمدا وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة وكذا في رواية الزبير بن بكار المذكورة وأخرجه ابن ماجة من طريقه وزاد فيه متعمدا وكذا للإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة والاختلاف فيه على شعبة وقد أخرجه الدارمي من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ من حدث عنى كذبا ولم يذكر العمد وفى تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الاخبار بالشئ على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدا أم خطأ والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالاجماع لكن الزبير خشي من الاكثار ان يقع في الخطا وهو لا يشعر لأنه وان لم يأثم بالخطا لكن قد يأثم بالاكثار إذ الاكثار مظنة الخطا والثقة إذا حدث بالخطا فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببا للعمل بما لم يقله الشارع فمن خشي من الاكثار الوقوع في الخطا لا يؤمن عليه الاثم إذا تعمد الاكثار فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الكثار من التحديث وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله عنهم ( قوله فليتبوأ ) أي فليتخذ لنفسه منزلا يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنا وهو أمر بمعنى الخبر أيضا أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك وقال الكرماني يحتمل أن يكون الامر على حقيقته والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه كذا قال وأولها أولاه فقد رواه أحمد باسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ بنى له بيت في النار قال الطيبي فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء ( قوله حدثنا أبو معمر ) هو البصري المقعد وعبد الوارث هو ابن سعيد وعبد العزيز هو ابن صهيب والاسناد كله بصريون ( قوله حديثا ) المراد به جنس الحديث ولهذا وصفه بالكثرة ( قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم ) هو وما بعده في محل الرفع لأنه فاعل يمنعني وانما خشي أنس مما خشي منه الزبير ولهذا صرح بلفظ الاكثار لأنه يظنه ومن حام حول الحمى لا يأمن وقوعه فيه فكان التقليل منهم للاحتراز ومع ذلك فأنس من المكثرين لأنه تأخرت وفاته فاحتيج إليه كما قدمناه ولم يمكنه الكتمان ويجمع بأنه لو حدث بجميع ما عنده لكان أضعاف ما حدث به ووقع في رواية عتاب بمهملة ومثناة فوقانية مولى هرمز سمعت أنسا يقول لولا أنى اخشى ان اخطئ لحدثتك بأشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث أخرجه أحمد باسناد فأشار إلى أنه لا يحدث الا ما تحققه ويترك ما يشك فيه وحمله بعضهم على أنه كان يحافظ على الرواية